عبد الوهاب الشعراني
177
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
أشكاله يستره ، قد عظمت عليه من اللّه فيه المنة فلا يرى عليه من اللّه منه أعظم من خلو اليد من الدنيا . وكان يقول أربع خصال عزيزة : عالم يعمل بعلمه ، وعارف ينطق عن حقيقة فعله ، ورجل قائم للّه بلا سبب ، ومريد ذهب عنه الطمع ، وكان يقول لقيت الخضر عليه السلام في بادية فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد على توكلي بالسكون إليه ففارقته ، وكان رضي اللّه عنه يقول المفاخرة والمكاثرة يمنعان الراحة والعجب يمنع من معرفة قدر النفس والتكبر يمنع من معرفة الصواب والبخل يمنع من الورع ، وكان يقول ليس من صفة الفقراء مؤالفة الأغنياء ولا من صفة أهل المعرفة مؤالفة أهل الغفلة . وكان يقول من دواعي المقت ذم الدنيا في العلانية واعتناقها في السر ، وكان يقول الإنسان في خلقه أحسن منه في جديد غيره ، والهالك حقا من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل ، وكان يقول يجب على المريد الاجتماع بمن يكشف له عن عيوبه ويدله على مواضع الزيادة ويكون نظره إليه قوة له على تهييج حالة ، وكان يقول لم يؤت الناس من قلة الندم والاستغفار وإنما أتوا من قلة الوفاء بالعهد . قال أبو الحسن النحرانى صاحب إبراهيم الخواص كنت شديد الإنكار على الصوفية في علومهم وأبغض كل من اجتمع بهم ، فدخلت بغداد وأنا أكتب الحديث فرأيت إبراهيم الخواص وحوله جماعة يتكلم عليهم فسمعت كلامه فدخل قلبي صدق قوله فرأيته علما صحيحا ، لا بدّ للخلق من استعماله ، فلزمته من ذلك المجلس ولم أفارقه وفرقت ما كنت جمعته من الكتب ، وكانت نحو حملين ومع هذا فلم يلتفت إلى ولم يكلمني بكلمة أياما كثيرة ، فلما عرف منى الصدق في طلبه أدنانى وقربني رضي اللّه عنه وكان إبراهيم رضي اللّه عنه إذا دعى إلى دعوة فرأى فيها خبزا يابسا أمسك يده ولم يأكل ويقول هذا خبز قد منع حق اللّه تعالى منه إذا يبيت ولم يخرج من يومه . وقال في قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ « 1 » الآية الإنابة أن يرجع بك منك إليه والتسليم أن تعلم أن ربك أشفق عليك من نفسك والعذاب عذاب الفراق وكان يقول آفة المريد ثلاثة : حب الدرهم وحب النساء وحب الرياسة ، فيدفع حب الدرهم باستعمال الورع ، وحب النساء وبترك الشهوات وترك
--> ( 1 ) سورة الزمر : آية 54 .